حكم الزواج العرفي بدون شهود

حكم الزواج العرفي بدون شهود هو من الأحكام الفقهية المعاصرة والقديمة التي ضمنتها الشريعة منهجها، فقد كفل الله لكل فرد في المجتمع حقوقه بقوانين شرعها، وحدد حتى للجنين في بطن أمه ما له وما لها، وما للأنفس من حقوق وما عليها، فكان الشارع تعالى هو المنظم للمجتمع وطبقاته، وحاكماً لقوانين الأسر والبيت وأفراده،

حتى خلق نظاماً اجتماعياً شاملاً لكل أفراد المجتمع، يقوم على العدل والحق والإنصاف والتمتع، فلم يخلق الله عباده ليقضى عليهم من شدة وقع الأحكام التشريعية عليهم فيموتوا ، ولا خلقهم ليرتعوا ويتمتعوا فيلههم الأمل عن ما من أجله خلقوا، وإنما قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون)،

فقد خلق الله العباد من أجل العبادة، وجعلها ثمناً للفوز بسعادة الدارين، وضمَن العبادة بملذات الحياة الدنيوية، وجعلها منهاجًا لمن اهتدى بهدي سيد المرسلين، ومن ضمن ما تعبدنا الله به وجعله من ملذات الحياة ومتعها هو الزواج، فقد قال صلى الله عليه وسلم ( خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة)، وقال تعالى ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)، وقال صلى الله عليه وسلم ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج).

فالنكاح في الإسلام أو الزواج حكمه في الأصل الإباحة والندب والاستحباب إذا لم يكن في حالة يكره أو يحرم فيها الزواج.

ما هو الزواج العرفي

 إذا أردنا أن نعرف حكم الزواج العرفي بدون شهود فيجب أن نعرف أولا حكم الزواج الشرعي وأركانه وشروط صحته، وفي ما يختلف عن الزواج العرفي وما هو الزواج العرفي.

فالزواج الشرعي هو ما أقرته الشريعة زواجاً صحيحاُ مكتمل الأركان والشروط، وأركان الزواج إنما هي الرجل والمرأة، والإيجاب والقبول والصيغة، إذ لا يمكن اكتمال الزواج بغير تلك الأركان.

أما شروط صحة الزواج هي إشهار الزواج، والشهود على عقد الزواج وحكم الزواج العرفي بدون شهود باطل بالإجماع، وإذن الولي للمرأة.

هذا هو ما أقرته الشريعة الإسلامية في منهاجها لزواج شرعي سليم.

والزواج العرفي  في الفقه هو ما اختلت فيه أحد شروط صحة الزواج من إذن الولي أو الإشهار أو الشهود على العقد، ويدخل فيه حكم الزواج العرفي بدون شهود.

أما الزواج العرفي في عرفنا نحن فهو ما لم يوثق في جهات التسجيل المدني.

تاريخ نشأة الزواج العرفي

اختلفت المسميات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عن المسميات في العصور التابعة لها، فالزواج العرفي يطلق على عدة أنواع للزواج.

الأول هو الزواج العرفي الحلال، وهو الزواج الشرعي الصحيح غير أنه غير موثق بالجهات المعنية بتسجيل الأحوال المدنية وهو ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ، لكن لكون الإسلام في أوج عصر قوته، فلقد عرف المسلمون بالأمانة وعدم نقض العقود، فلم يكونوا في حالة تستوجب توثيقاً كتابياً للزواج، فكان عقد القران يتم شفهياً، وهو ما نعده نحن عقداً عرفيا لكون اصطلاح عرف المجتمع على اكتتاب عقد القران وتوثيقه، مما يعني أن عدم تسجيل عقد الزواج لا يفسد الزواج، وإنما التوثيق يؤكد قانونية الزواج لا شرعيته.

النوع الثاني هو الزواج الذي فقد أحد شروط صحته، فيكون زواجاً بغير شهود، أو زواجاً بغير إذن ولي المرأة، والزواج في السر.

إذاً فالزواج العرفي الصحيح، قديم بقدم الإسلام ونشأته.

الزواج العرفي حلال

 مما سبق يتبين لنا أن الزواج العرفي له حكمين، هما الحل والحرمة، فيكون حلالاً إذا كان مطابقا للزواج الشرعي السليم، وهو ما اكتملت شروط صحته وكان بإذن الولي للمرأة، بشهادة رجل وامرأتين أو رجلين، وكان مشهوراً ومعلوماً لدى الناس لا متخفياً سراً، ولا يشترط لصحته أن يكون مسجلاً موثقاً، إذ التوثيق هو لضمان حق الزوجين في زمن انعدمت فيه القيم والدين، فالتوثيق هو لجعل الزواج شرعيا في حق القانون، لا شرعياً في حق الدين، أو معنى أدق الزواج القانوني هو ما كان موثقاً، والزواج الغير موثق هو زواج شرعي صحيح لا يعتد به قانونًا.

أما الزواج العرفي الحرام فهو ما اختل فيه أحد شروط الزواج.

حكم الزواج العرفي بدون شهود

حكم الزواج العرفي بدون شهود هو الحرمة وعدم الانعقاد، فالزواج بغير شهود هو لم ينعقد، وعليه فإذا تزوج رجل وامرأة بغير شهود فهم في حكم الزنا لا الزواج، لقوله صلى الله عليه وسلم (لا نكاح إلا بشهود)، وقال أيضاً ( الزانية التي تنكح نفسها بغير بينة )، فحكم الزواج العرفي بدون شهود أنه لم ينعقد وهو عقد باطل غير صحيح. 

شروط الزواج العرفي

حتى يمكن أن يلحق الزواج العرفي بالزواج شرعياً صحيحاً، فإن له شروط يكتمل الزواج بتحققها، وشروط الزواج العرفي الصحيح هي:

1ـ أن يكون للمرأة ولياً يأذن بعقد الزواج، فلا يصح عقد النكاح بدون إذن ولي المرأة، لقوله صلى الله عليه وسلم( لا نكاح إلا بولي )، وقول عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل )، فإذن الولي للمرأة في عقد الزواج شرط لانعقاده.

2ـ الإشهار، فيجب أن يكون الزواج في العلانية لا في الخفاء والسر، والعلانية المقصودة لا يشترط فيها التسجيل للعقد، ولكن التسجيل للعقد يدخل تحت مضمون الإشهار.

3ـ الشهود، فلا يصح الزواج إلا بشهادة رجلين، وقال بعض الأئمة تصح شهادة امرأتين ورجل قياساً على الشهادة في المعاملات المالية، فحكم الزواج العرفي بدون شهود باطل غير منعقد.

وعلى هذا فإن الصورة الصحيحة للزواج العرفي هي أن يأذن الولي على العقد ويحضره، وأن يكون الزواج في العلانية لا في السر، وأن يكون في حضرة الشهود، ولا يبطل صحته كونه غير موثق قانونياً.

ما الحكمة من الشروط الثلاث للزواج

لما شرع الله الزواج وحدد شروطه، جعل شروطه حافظة لحقوق الزوجان، وحاكمة بينهما عند نشوب المشكلات الأسرية، وضمن الإسلام للأولاد حقهم في زواج أبويهم الذي كان سبب في حصول الحياة لهم، فشرع الشروط حتى لا يجور أحدهما على الأخر أو يكونا سبباً في الجور على الأولاد وتهدم الأسر والمجتمعات.

فاشترط إذن الولي للمرأة في عقد الزواج، لما يعلم من أن المرأة ذو فكر عاطفي أكثر من العقلي، وهي حكمة منه تعالى حتى تكون أماً وزوجة تخشي وتحمي طفلها وتربيه، لكن قد تتسبب عاطفتها في الإنجراف في زواج لا يصلح لها دون أن تقوم بحساب العواقب الناتجة عنه، فشرع الله وجوب إذن الولي لها عند الزواج حتى يكون عقلاً ومفكراً معها في صلاحية تلك الزيجة لها أو عدمها، فلزوم إذن الولي إنما هو لمصلحة المرأة و للحفاظ على حقوقها.

أما شرط الإشهار، فإنما هو لمصلحة الزوجان، حتى لا يوقع الشيطان الشك في نفوس من يراهم في مواقف لا تصح شرعا ولا عرفًا إلا لذي محرم، وقد يتسبب عدم الإشهار في قذفها وقذفه بالزنا والفاحشة.

كما أن الإشهار يضمن لكلاً منهم حقه في عدم إنكار الآخر عقد الزواج إذا أراد ألا يعترف به.

والإشهار أيضاً في مصلحة الأولاد، حتى يتسنى لهم ذكر آبائهم بحرية، وإثباتا لنسبهم.

أما شرط الإشهاد فمن أهدافه حفظ حقوق المرأة عند الزواج والطلاق، وحتى لا تختلط الأنساب إذا ادعت بعدم زواجها منه وأرادت التزوج بغيره وهي حامل فتثبت أطفالاً لغير أبيهم.

 فلذلك حكم  الزواج العرفي بدون شهود باطل.

فالشروط التي أوجبها الشارع في الزواج الشرعي الصحيح إنما هي لمصلحة الزوجين والأولاد، لقيام مجتمع سليم .

طرق تحسين الذاكرة في علم النفس

اترك تعليقاً